تشقق العمود الفقري، أو "السنسنة المشقوقة" كما يُعرف أيضًا، هو أحد العيوب الخلقية التي تؤثر على العمود الفقري والحبل الشوكي. على الرغم من أن الاسم قد يبدو معقدًا، إلا أن فهم هذه الحالة أمر ضروري لزيادة الوعي وتقديم الدعم المناسب للمصابين بها وعائلاتهم. في هذه المقالة، سنستعرض كل ما تحتاج لمعرفته حول تشقق العمود الفقري، بدءًا من تعريفه وأنواعه، وصولًا إلى أسبابه وطرق الوقاية والعلاج، معتمدين على مصادر طبية موثوقة.
ما هو تشقق العمود الفقري؟
تشقق العمود الفقري هو عيب خلقي يحدث عندما لا يتشكل العمود الفقري والحبل الشوكي للجنين بشكل صحيح خلال الأسابيع الأولى من الحمل . وهو ينتمي إلى مجموعة من العيوب الخلقية تسمى "عيوب الأنبوب العصبي". الأنبوب العصبي هو الهيكل الجنيني الذي يتطور ليصبح الدماغ والحبل الشوكي. في الحالة الطبيعية، ينغلق هذا الأنبوب بحلول اليوم الثامن والعشرين بعد الحمل، ولكن في حالة تشقق العمود الفقري، يبقى جزء منه مفتوحًا، مما يؤدي إلى تلف في الحبل الشوكي والأعصاب .
أنواع تشقق العمود الفقري
يصنف تشقق العمود الفقري إلى ثلاثة أنواع رئيسية تختلف في شدتها وأعراضها :
•تشقق العمود الفقري الخفي (Spina Bifida Occulta): يُعد هذا النوع الأخف والأكثر شيوعًا. كلمة "Occulta" لاتينية تعني "مخفي"، وهذا النوع غالبًا ما يكون غير مرئي ولا يسبب أي أعراض ملحوظة، وقد لا يدرك الكثير من المصابين به حالتهم إلا عند إجراء فحوصات تصويرية لأسباب أخرى. في بعض الحالات، قد تظهر علامات خارجية بسيطة على الجلد فوق المنطقة المصابة، مثل خصلة شعر غير طبيعية، أو انخفاض صغير، أو وحمة .
•القيلة السحائية (Meningocele): يمثل هذا النوع شكلًا نادرًا من تشقق العمود الفقري، حيث تبرز الأغشية الواقية المحيطة بالحبل الشوكي (السحايا) من خلال فتحة في العمود الفقري، مكونة كيسًا مملوءًا بالسوائل. من المهم ملاحظة أن هذا الكيس لا يحتوي عادةً على الحبل الشوكي نفسه، مما يجعل التلف العصبي المحتمل أقل خطورة مقارنة بالأنواع الأخرى. ومع ذلك، قد يعاني الأطفال المصابون بالقيلة السحائية من مشاكل طفيفة في وظائف المثانة والأمعاء .
•القيلة النخاعية السحائية (Myelomeningocele): يُعتبر هذا النوع الأكثر خطورة وشيوعًا بين أنواع تشقق العمود الفقري. في هذه الحالة، يبرز كل من الحبل الشوكي والأغشية المحيطة به من خلال الفتحة الموجودة في العمود الفقري، مشكلين كيسًا واضحًا على ظهر الطفل. يؤدي هذا الوضع إلى تلف الأعصاب، مما ينتج عنه ضعف في العضلات، وفقدان الإحساس في الساقين، ومشاكل كبيرة في التحكم في وظائف المثانة والأمعاء. غالبًا ما يرتبط هذا النوع بتراكم السوائل في الدماغ، وهي حالة تُعرف باسم "استسقاء الرأس" (Hydrocephalus) .
تاريخ اكتشاف تشقق العمود الفقري
يُعتقد أن أول وصف دقيق لتشقق العمود الفقري يعود إلى الطبيب الهولندي بيتر فان فوريست في أواخر القرن السادس عشر . ومع ذلك، تشير الأدلة الأثرية إلى وجود هذه الحالة منذ آلاف السنين. شهدت العقود الأخيرة تقدمًا هائلاً في فهم وعلاج تشقق العمود الفقري، مما أدى إلى تحسين نوعية حياة المصابين به بشكل كبير بفضل التطورات في التكنولوجيا الطبية وتغير المواقف تجاه هذه الحالة .
الأسباب وعوامل الخطر
السبب الدقيق لتشقق العمود الفقري لا يزال غير معروف بشكل كامل، ولكن يُعتقد أنه ناتج عن تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والبيئية. تشمل عوامل الخطر الرئيسية ما يلي :
•نقص حمض الفوليك: يُعد نقص حمض الفوليك (فيتامين ب 9) قبل وأثناء الحمل من أهم عوامل الخطر المعروفة. يلعب حمض الفوليك دورًا حاسمًا في التطور الصحي للأنبوب العصبي للجنين.
•التاريخ العائلي: تزداد فرصة إنجاب طفل مصاب بتشقق العمود الفقري إذا كان هناك تاريخ عائلي لهذه الحالة أو لعيوب الأنبوب العصبي الأخرى.
•بعض الأدوية: ارتبطت بعض الأدوية، مثل حمض الفالبرويك المستخدم في علاج الصرع، بزيادة خطر الإصابة بتشقق العمود الفقري، حيث قد تتداخل هذه الأدوية مع قدرة الجسم على استخدام الفولات وحمض الفوليك.
•السكري والسمنة: النساء المصابات بداء السكري غير المتحكم فيه جيدًا أو السمنة قبل الحمل لديهن خطر أعلى لإنجاب طفل مصاب بتشقق العمود الفقري.
•ارتفاع درجة حرارة الجسم: تشير بعض الدراسات إلى أن ارتفاع درجة حرارة الجسم في الأسابيع الأولى من الحمل، سواء بسبب الحمى أو استخدام الساونا أو أحواض الاستحمام الساخنة، قد يزيد من خطر الإصابة بتشقق العمود الفقري.
الوقاية من تشقق العمود الفقري
تُعد الوقاية خط الدفاع الأول والأكثر فعالية ضد تشقق العمود الفقري. يمكن تقليل خطر الإصابة بهذه الحالة بشكل كبير عن طريق :
•تناول حمض الفوليك: توصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) بأن تتناول جميع النساء في سن الإنجاب مكملًا يوميًا يحتوي على 400 ميكروغرام من حمض الفوليك، حتى لو لم يكن يخططن للحمل. يُنصح بالبدء في تناول المكملات قبل شهر واحد على الأقل من الحمل والاستمرار في تناولها طوال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل. في حالات معينة، مثل وجود تاريخ سابق لإنجاب طفل مصاب بتشقق العمود الفقري أو تناول أدوية معينة، قد تكون هناك حاجة لجرعات أعلى من حمض الفوليك بعد استشارة الطبيب .
•اتباع نظام غذائي صحي: بالإضافة إلى المكملات، يُنصح بتناول الأطعمة الغنية بالفولات أو المدعمة بحمض الفوليك. تشمل الأطعمة الغنية بالفولات الخضروات الورقية الداكنة (مثل السبانخ والبروكلي)، والبقوليات (الفول والبازلاء)، والفواكه الحمضية وعصائرها، وصفار البيض، وحليب البقر، والأفوكادو. كما تتوفر منتجات مدعمة بحمض الفوليك مثل الخبز، والمعكرونة، والأرز، وبعض حبوب الإفطار .
التشخيص والعلاج
التشخيص
يمكن تشخيص تشقق العمود الفقري قبل الولادة من خلال مجموعة من الفحوصات :
•فحوصات الدم: مثل اختبار ألفا فيتوبروتين في مصل الأم (MSAFP)، والذي يقيس مستويات بروتين معين قد يشير إلى وجود عيب في الأنبوب العصبي.
•الموجات فوق الصوتية: تُعد الموجات فوق الصوتية الطريقة الأكثر دقة لتشخيص الحالة قبل الولادة، حيث يمكنها الكشف عن علامات تشقق العمود الفقري وتحديد شدته.
•بزل السلى (Amniocentesis): قد يُقترح هذا الاختبار، الذي يتضمن أخذ عينة من السائل الأمنيوسي، لتأكيد التشخيص واستبعاد الأمراض الوراثية الأخرى.
العلاج
يعتمد العلاج على نوع وشدة تشقق العمود الفقري لدى الطفل :
•الجراحة: تُعد الجراحة هي العلاج الرئيسي للقيلة السحائية والقيلة النخاعية السحائية. يمكن إجراء الجراحة قبل الولادة (جراحة الجنين) أو بعد الولادة مباشرة (عادة في غضون 72 ساعة). تهدف الجراحة إلى إغلاق الفتحة في العمود الفقري لحماية الحبل الشوكي من المزيد من التلف وتقليل خطر العدوى.
•علاج المضاعفات: يحتاج الأطفال المصابون بتشقق العمود الفقري إلى رعاية مستمرة من فريق طبي متعدد التخصصات.
قد يشمل العلاج ما يلي:
•علاج استسقاء الرأس: يتم غالبًا عن طريق زرع أنبوب (تحويلة بطينية) لتصريف السوائل الزائدة من الدماغ إلى جزء آخر من الجسم.
•العلاج الطبيعي والوظيفي: للمساعدة في تحسين الحركة، وتقوية العضلات، وتطوير المهارات اللازمة لأداء الأنشطة اليومية.
•إدارة مشاكل المثانة والأمعاء: من خلال استخدام القسطرة، والأدوية، أو التدخلات الجراحية عند الضرورة.
•الدعم النفسي والتعليمي: لمساعدة الأطفال على التكيف مع حالتهم، وتطوير مهاراتهم الاجتماعية، وتحقيق إمكاناتهم الكاملة في المدرسة والحياة.
المشاكل والتحديات المرتبطة بتشقق العمود الفقري
قد يواجه الأشخاص المصابون بتشقق العمود الفقري مجموعة من التحديات والمضاعفات، والتي تختلف في شدتها حسب نوع وموقع العيب :
•مشاكل في المشي والحركة: تتراوح هذه المشاكل من ضعف خفيف في الساقين وصعوبة في المشي إلى الشلل الكامل، اعتمادًا على مستوى تلف الأعصاب في الحبل الشوكي. قد يحتاج المصابون إلى استخدام دعامات، أو عكازات، أو كراسي متحركة.
•مشاكل في المثانة والأمعاء: يعاني معظم المصابين بالقيلة النخاعية السحائية من صعوبة في التحكم في وظائف المثانة والأمعاء بسبب تلف الأعصاب التي تغذي هذه الأعضاء.
•استسقاء الرأس وتشوه خياري من النوع الثاني: غالبًا ما يتطور استسقاء الرأس (تراكم السوائل في الدماغ) لدى المصابين بالقيلة النخاعية السحائية، وقد يتطلب جراحة لتركيب تحويلة. كما أن تشوه خياري من النوع 2، حيث يمتد جزء من الدماغ إلى القناة الشوكية، شائع وقد يسبب مشاكل في التنفس والبلع.
•الحبل الشوكي المربوط: قد تلتصق الأعصاب الشوكية بالأنسجة المحيطة وتتمدد، مما يؤثر على وظيفة العضلات في الساقين أو المثانة أو الأمعاء مع نمو الطفل.
•مشاكل الجلد: بسبب نقص الإحساس، يكون المصابون أكثر عرضة للإصابة بالجروح والقروح في الأطراف أو الظهر، والتي قد يصعب علاجها.
•حساسية اللاتكس: الأشخاص المصابون بتشقق العمود الفقري لديهم خطر أعلى للإصابة بحساسية تجاه مادة اللاتكس (المطاط الطبيعي)، والتي يمكن أن تتراوح من طفح جلدي خفيف إلى رد فعل تحسسي شديد (الحساسية المفرطة).
•صعوبات التعلم ومشاكل أخرى: قد يواجه بعض الأطفال صعوبات في الانتباه والتركيز، ومشاكل في التعلم، بالإضافة إلى تحديات اجتماعية ونفسية مثل الاكتئاب، ومشاكل في الجهاز الهضمي، والتهابات المسالك البولية المتكررة.
خاتمة:
على الرغم من التحديات التي يفرضها تشقق العمود الفقري، إلا أن التقدم الطبي والرعاية المتخصصة قد مكّن العديد من المصابين به من عيش حياة كاملة ومنتجة. من خلال زيادة الوعي، وتوفير الدعم، وتشجيع البحث العلمي، يمكننا الاستمرار في تحسين حياة الأشخاص المصابين بتشقق العمود الفقري وعائلاتهم.
