تعتبر حمية البحر الأبيض المتوسط نمطًا غذائيًا صحيًا مستوحى من الأنماط الغذائية التقليدية في البلدان المطلة على البحر الأبيض المتوسط، مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا. وقد حظيت هذه الحمية باهتمام كبير في الأوساط العلمية والطبية نظرًا لفوائدها الصحية العديدة والمثبتة علميًا، والتي تشمل الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري من النوع الثاني وبعض أنواع السرطان.
يهدف هذا الدليل إلى تقديم معلومات تفصيلية وشاملة حول حمية البحر الأبيض المتوسط، بدءًا من تاريخها واكتشافها، ومرورًا بمكوناتها الأساسية وفوائدها وأضرارها المحتملة، وانتهاءً بنتائج الأبحاث العلمية التي أجريت عليها.
تاريخ حمية البحر الأبيض المتوسط
تعود جذور حمية البحر الأبيض المتوسط إلى العصور القديمة، حيث شكلت الأنماط الغذائية لشعوب حوض البحر الأبيض المتوسط أساس هذا النظام الغذائي. وقد تأثرت هذه الأنماط الغذائية بالتبادل الثقافي والتجاري بين الحضارات المختلفة التي نشأت في المنطقة، مثل الحضارة المصرية واليونانية والرومانية والعربية.
الاكتشاف العلمي
بدأ الاهتمام العلمي بحمية البحر الأبيض المتوسط في منتصف القرن العشرين، وذلك بفضل أبحاث العالم الأمريكي أنسيل كيز (Ancel Keys). لاحظ كيز خلال دراساته أن معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية كانت أقل بكثير في بلدان البحر الأبيض المتوسط مقارنة بالولايات المتحدة وشمال أوروبا. وقد أرجع كيز هذا الاختلاف إلى النمط الغذائي السائد في تلك المناطق، والذي يتميز بالاعتماد على الأطعمة النباتية والدهون الصحية.
وقد شكلت دراسة السبع دول (Seven Countries Study) التي قادها كيز نقطة تحول في فهم العلاقة بين النظام الغذائي والصحة. وقد أظهرت نتائج هذه الدراسة، التي استمرت لعدة عقود، أن الأشخاص الذين يتبعون حمية البحر الأبيض المتوسط يتمتعون بصحة أفضل ويعيشون لفترة أطول.
ما هي حمية البحر الأبيض المتوسط؟
حمية البحر الأبيض المتوسط ليست مجرد نظام غذائي محدد، بل هي نمط حياة شامل يجمع بين الأكل الصحي والنشاط البدني والتفاعل الاجتماعي. وتعتمد هذه الحمية بشكل أساسي على الأطعمة التالية:
•الفواكه والخضروات: تشكل أساس الهرم الغذائي لحمية البحر الأبيض المتوسط، وينصح بتناولها بكميات كبيرة ومتنوعة.
•الحبوب الكاملة: مثل القمح الكامل والشعير والأرز البني، والتي تعتبر مصدرًا مهمًا للألياف الغذائية.
•البقوليات: مثل الحمص والعدس والفول، والتي توفر البروتين النباتي والألياف.
•المكسرات والبذور: مثل اللوز والجوز وبذور الكتان، والتي تحتوي على الدهون الصحية والألياف.
•زيت الزيتون البكر الممتاز: يعتبر المصدر الرئيسي للدهون في هذه الحمية، ويستخدم في الطهي وتتبيل السلطات.
•الأسماك والمأكولات البحرية: ينصح بتناولها مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع، وخاصة الأسماك الدهنية مثل السلمون والسردين والتونة.
•الدواجن والبيض: يمكن تناولها بكميات معتدلة.
•منتجات الألبان: مثل الزبادي والجبن، ويفضل اختيار الأنواع قليلة الدسم.
•اللحوم الحمراء: ينصح بالحد من تناولها.
الفوائد الصحية لحمية البحر الأبيض المتوسط:
أظهرت العديد من الدراسات العلمية أن اتباع حمية البحر الأبيض المتوسط يرتبط بالعديد من الفوائد الصحية، ومن أهمها:
•الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية: تعتبر هذه الفائدة هي الأكثر إثباتًا علميًا، حيث تساهم هذه الحمية في خفض ضغط الدم ومستويات الكوليسترول الضار (LDL) والدهون الثلاثية، مما يقلل من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية.
•الوقاية من السكري من النوع الثاني: تساعد حمية البحر الأبيض المتوسط في تحسين حساسية الأنسولين وتنظيم مستويات السكر في الدم.
•الحفاظ على وزن صحي: على الرغم من أن هذه الحمية لا تركز على تقييد السعرات الحرارية، إلا أنها تساهم في إنقاص الوزن والحفاظ عليه على المدى الطويل.
•تحسين صحة الدماغ والوظائف الإدراكية: تشير بعض الأبحاث إلى أن هذه الحمية قد تساهم في الوقاية من أمراض مثل الزهايمر والخرف.
•تقليل خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان: وخاصة سرطان القولون والمستقيم وسرطان الثدي.
أضرار وقيود حمية البحر الأبيض المتوسط:
بشكل عام، تعتبر حمية البحر الأبيض المتوسط آمنة ومناسبة لمعظم الأشخاص. ومع ذلك، قد توجد بعض الأضرار أو القيود المحتملة، ومنها:
•صعوبة الالتزام: قد يجد بعض الأشخاص صعوبة في الالتزام بهذه الحمية على المدى الطويل، خاصة إذا كانوا معتادين على نمط غذائي مختلف.
•التكلفة: قد تكون بعض مكونات هذه الحمية، مثل زيت الزيتون البكر الممتاز والأسماك الطازجة، أكثر تكلفة من غيرها.
•نقص بعض العناصر الغذائية: إذا لم يتم التخطيط للحمية بشكل جيد، فقد يؤدي ذلك إلى نقص بعض العناصر الغذائية مثل الحديد والكالسيوم.
أنواع حمية البحر الأبيض المتوسط ونتائج الأبحاث:
توجد اختلافات طفيفة في حمية البحر الأبيض المتوسط بين البلدان المختلفة، ولكن المبادئ الأساسية تظل كما هي. وقد ركزت العديد من الأبحاث على دراسة تأثير هذه الحمية على الصحة، ومن أبرز هذه الدراسات:
•دراسة PREDIMED:
وهي دراسة إسبانية كبيرة أظهرت أن اتباع حمية البحر الأبيض المتوسط مع إضافة زيت الزيتون البكر الممتاز أو المكسرات يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة تصل إلى 30%.
•دراسة Lyon Diet Heart Study: وهي دراسة فرنسية أظهرت أن اتباع حمية البحر الأبيض المتوسط يقلل من خطر تكرار الإصابة بالنوبات القلبية بنسبة تصل إلى 70%.
