عسل المانوكا (Mānuka honey)






عسل المانوكا (Mānuka honey) هو نوع فريد من العسل أحادي الزهرة (monofloral) يتم إنتاجه بشكل أساسي في نيوزيلندا وأستراليا. يُصنع هذا العسل بواسطة نحل العسل الأوروبي (Apis mellifera) الذي يتغذى على رحيق زهور شجرة المانوكا (Leptospermum scoparium)، وهي شجيرة محلية تنمو في هذه المناطق. يشتهر عسل المانوكا بخصائصه المضادة للبكتيريا القوية، والتي تميزه عن أنواع العسل الأخرى، بالإضافة إلى قوامه الكريمي الكثيف ونكهته المميزة التي تتراوح بين المرارة والحلاوة.



:تاريخ اكتشاف عسل المانوكا


يعود تاريخ استخدام شجرة المانوكا إلى قرون مضت، حيث استخدم شعب الماوري الأصلي في نيوزيلندا أوراقها ولحائها وزيتها في الطب التقليدي لعلاج مجموعة متنوعة من الأمراض. ومع ذلك، فإن تاريخ عسل المانوكا نفسه حديث نسبيًا.
 القرن الثامن عشر: لاحظ المستكشف البريطاني جيمس كوك في رحلاته إلى نيوزيلندا حوالي عام 1769 أن أوراق شجرة المانوكا يمكن استخدامها لصنع شاي منعش، ومن هنا جاء اسم "شجرة الشاي النيوزيلندية".
القرن التاسع عشر: تم إدخال نحل العسل الأوروبي إلى نيوزيلندا في عام 1839، وبدأ النحل في إنتاج العسل من رحيق أزهار المانوكا.
 في البداية، لم يكن هذا العسل مرغوبًا فيه بسبب قوامه الكثيف ونكهته القوية، وكان يُعتبر منتجًا ثانويًا.
القرن العشرون: في الثمانينيات من القرن الماضي، بدأ الباحثون في نيوزيلندا بدراسة الخصائص الفريدة لعسل المانوكا.
 قاد البروفيسور بيتر مولان من جامعة وايكاتو الأبحاث التي كشفت عن النشاط المضاد للبكتيريا غير العادي في عسل المانوكا، والذي لا يوجد في أنواع العسل الأخرى. أطلق على هذا النشاط اسم "العامل الفريد للمانوكا" (Unique Manuka Factor - UMF).
القرن الحادي والعشرون: في عام 2008، تمكن فريق من الباحثين بقيادة البروفيسور توماس هينلي من جامعة دريسدن في ألمانيا من تحديد المركب الرئيسي المسؤول عن هذا النشاط المضاد للبكتيريا، وهو ميثيل جليوكسال (Methylglyoxal - MGO). كان هذا الاكتشاف نقطة تحول، حيث سمح بقياس وتصنيف قوة عسل المانوكا بشكل دقيق وموثوق.
منذ ذلك الحين، اكتسب عسل المانوكا شهرة عالمية كغذاء خارق وعلاج طبيعي.


التركيب الكيميائي والمركبات النشطة في عسل المانوكا


يتميز عسل المانوكا بتركيب كيميائي معقد يمنحه خصائصه الفريدة، خاصة نشاطه المضاد للبكتيريا. بينما تشترك جميع أنواع العسل في مكونات أساسية مثل السكريات (الفركتوز والجلوكوز)، الماء، الإنزيمات، والأحماض الأمينية، فإن عسل المانوكا يحتوي على مركبات إضافية تميزه


1.ميثيل جليوكسال (Methylglyoxal - MGO): يُعد MGO المركب الرئيسي المسؤول عن النشاط المضاد للبكتيريا القوي في عسل المانوكا. يتكون MGO في العسل من تحول مركب آخر يسمى ثنائي هيدروكسي الأسيتون (Dihydroxyacetone - DHA)، والذي يوجد بتركيزات عالية في رحيق زهور المانوكا. كلما زاد تركيز MGO في العسل، زادت فعاليته المضادة للبكتيريا.


2.ثنائي هيدروكسي الأسيتون (Dihydroxyacetone - DHA): هو مركب طبيعي موجود في رحيق زهور المانوكا، ويتحول تدريجيًا إلى MGO أثناء تخزين العسل. هذا يعني أن عسل المانوكا الطازج قد يحتوي على مستويات عالية من DHA ومستويات منخفضة من MGO، ومع مرور الوقت، يزداد تركيز MGO.


3.ليبوسبيرين (Leptosperin): هو مركب كيميائي فريد يوجد فقط في عسل المانوكا، ويُستخدم كمؤشر على أصالة العسل. وجود الليبوسبيرين يساعد في التمييز بين عسل المانوكا الأصلي والعسل المغشوش أو الأنواع الأخرى.


4.مركبات الفلافونويد والفينول: يحتوي عسل المانوكا على مجموعة متنوعة من مركبات الفلافونويد والمركبات الفينولية، وهي مضادات أكسدة قوية تساهم في فوائده الصحية، مثل تقليل الالتهاب وحماية الخلايا من التلف.

تُستخدم أنظمة تصنيف مختلفة، مثل UMF (Unique Manuka Factor) و MGO، للإشارة إلى قوة وفعالية عسل المانوكا بناءً على تركيز هذه المركبات النشطة، خاصة MGO و DHA والليوسبيرين. كلما ارتفعت قيمة UMF أو MGO، زادت جودة وفعالية العسل.



:مصادر عسل المانوكا

يُعد عسل المانوكا منتجًا فريدًا نظرًا لمصدره الجغرافي المحدود. يُنتج هذا العسل بشكل أساسي في:

•نيوزيلندا: هي الموطن الأصلي لشجرة المانوكا (Leptospermum scoparium)، وتُعرف بأنها المصدر الرئيسي لعسل المانوكا عالي الجودة. تُعد الظروف المناخية والبيئية في نيوزيلندا مثالية لنمو هذه الشجرة وإنتاج رحيق غني بمركبات المانوكا الفريدة.


•أستراليا: تنمو أنواع مختلفة من شجرة المانوكا (Leptospermum) أيضًا في أستراليا، وتُنتج عسل مانوكا بخصائص مشابهة لتلك الموجودة في العسل النيوزيلندي. هناك جهود متزايدة في أستراليا لإنتاج وتسويق عسل المانوكا الخاص بها.


تزهر شجرة المانوكا لفترة قصيرة جدًا تتراوح عادةً بين أسبوعين وستة أسابيع في السنة، مما يجعل إنتاج عسل المانوكا محدودًا ونادرًا، ويسهم في ارتفاع سعره مقارنة بأنواع العسل الأخرى. يقوم النحل بجمع الرحيق من هذه الأزهار خلال فترة الإزهار القصيرة، ثم يُعالج العسل ويُعبأ وفقًا لمعايير صارمة لضمان جودته وأصالته.


الفوائد الصحية لعسل المانوكا:


يُعرف عسل المانوكا بخصائصه العلاجية الفريدة التي تميزه عن أنواع العسل الأخرى، وقد أظهرت العديد من الدراسات العلمية فوائده الصحية المتعددة:

1.خصائص مضادة للبكتيريا: تُعد هذه الخاصية هي الأبرز في عسل المانوكا، وذلك بفضل محتواه العالي من ميثيل جليوكسال (MGO). وقد أظهرت الأبحاث فعاليته ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية مثل المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين (MRSA) . يُستخدم عسل المانوكا طبيًا في علاج الجروح والحروق والتقرحات، حيث يساعد على منع العدوى وتعزيز التئام الأنسجة.

2.دعم صحة الجهاز الهضمي: يمكن أن يساعد عسل المانوكا في تحسين صحة الجهاز الهضمي من خلال خصائصه المضادة للبكتيريا والالتهابات. وقد أظهرت بعض الدراسات أنه قد يكون فعالًا في مكافحة بكتيريا هيليكوباكتر بيلوري (H. pylori)، وهي البكتيريا المسؤولة عن معظم قرح المعدة [2]. كما قد يساعد في تخفيف أعراض متلازمة القولون العصبي (IBS) والتهاب الأمعاء.

3.تحسين صحة الفم: بفضل خصائصه المضادة للبكتيريا، يمكن لعسل المانوكا أن يساعد في تقليل تراكم البلاك والتهاب اللثة. وقد وجدت دراسات أن مضغ أو مص منتجات تحتوي على عسل المانوكا يمكن أن يقلل بشكل كبير من البكتيريا الضارة في الفم .

4.تخفيف التهاب الحلق والسعال: يُعد العسل بشكل عام علاجًا فعالًا لالتهاب الحلق والسعال، وعسل المانوكا ليس استثناءً. تساعد خصائصه المضادة للالتهابات والمضادة للبكتيريا في تهدئة الحلق وتقليل الالسعال، خاصة في حالات التهابات الجهاز التنفسي العلوي .

5.العناية بالبشرة وعلاج حب الشباب: يمكن استخدام عسل المانوكا موضعيًا لعلاج مشاكل البشرة مثل حب الشباب والأكزيما. تساعد خصائصه المضادة للبكتيريا والالتهابات في تقليل الالتهاب وقتل البكتيريا المسببة لحب الشباب، بينما تساعد خصائصه المرطبة في تهدئة البشرة .

6.خصائص مضادة للأكسدة ومضادة للالتهابات: يحتوي عسل المانوكا على مركبات فينولية وفلافونويدات تعمل كمضادات أكسدة قوية، تحمي الجسم من الأضرار الناتجة عن الجذور الحرة. كما أن له خصائص مضادة للالتهابات، مما يجعله مفيدًا في تقليل الالتهاب في الجسم بشكل عام.



عسل المانوكا هو أكثر من مجرد عسل عادي؛ إنه منتج طبيعي فريد من نوعه يتميز بخصائص علاجية قوية، خاصة نشاطه المضاد للبكتيريا بفضل مركب الميثيل جليوكسال (MGO). تاريخه يمتد من الاستخدام التقليدي لشجرة المانوكا من قبل شعب الماوري إلى الأبحاث العلمية الحديثة التي كشفت عن أسراره.

تُعد نيوزيلندا وأستراليا الموطن الأصلي لهذا العسل الثمين، ومحدودية إنتاجه تجعله سلعة نادرة ومرتفعة الثمن. تتعدد فوائده الصحية لتشمل دعم التئام الجروح، تحسين صحة الجهاز الهضمي والفم، وتخفيف التهاب الحلق، بالإضافة إلى خصائصه المضادة للأكسدة والالتهابات.

مع استمرار الأبحاث في الكشف عن المزيد من فوائد عسل المانوكا، فإنه يظل إضافة قيمة للمدونات الطبية والعلمية، ويوفر منظورًا فريدًا حول قوة الطبيعة في دعم صحة الإنسان. عند اختيار عسل المانوكا، من المهم الانتباه إلى أنظمة التصنيف مثل UMF و MGO لضمان الحصول على منتج أصيل وفعال.







زهرة المانوكا 








إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم