هرمون الكورتيزون




الكورتيزون، المعروف على نطاق واسع بهرمون التوتر في الجسم، يؤثر بشكل كبير على وظائف متعددة في الجسم. وهو الجلوكوكورتيكويد الرئيسي الذي تفرزه الطبقة الحزمية (zona fasciculata) من قشرة الغدة الكظرية. يتم تنظيم إنتاجه وإفرازه بواسطة محور الغدة النخامية-الوطاء-الكظرية (HPA axis). يمكن أن يؤدي اختلال هذا التنظيم إلى حالات مثل متلازمة كوشينغ (زيادة الكورتيزون) أو مرض أديسون (قصور قشرة الكظر).


تاريخ الاكتشاف:


في عام 1950، حصل الدكتور إدوارد سي. كيندال والدكتور فيليب إس. هينش من مايو كلينك، بالاشتراك مع الكيميائي السويسري تاديوس رايشتاين، على جائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب لاكتشافاتهم المتعلقة بهرمونات قشرة الغدة الكظرية، تركيبها وتأثيراتها البيولوجية، وخاصة تطبيق الكورتيزون السريري في علاج التهاب المفاصل الروماتويدي.

•الدكتور إدوارد سي. كيندال: بدأ أبحاثه في ثلاثينيات القرن الماضي، وعزل عدة هرمونات من الغدة الكظرية، أحدها عُرف لاحقًا باسم الكورتيزون.

•الدكتور فيليب إس. هينش: أول أخصائي أمراض الروماتيزم في مايو كلينك. لاحظ أن بعض مرضى التهاب المفاصل الروماتويدي تحسنت حالتهم تحت ظروف معينة. افترض وجود مادة طبيعية مضادة للروماتيزم أطلق عليها اسم

"المادة X". تعاون مع كيندال لتحديد أنها على الأرجح هرمون كظري، وربما المركب E.

•الدكتور تشارلز إتش. سلوكومب والدكتور هوارد إف. بولي: تعاونا مع الدكتور هينش في التجارب السريرية للكورتيزون لعلاج التهاب المفاصل الروماتويدي، والتي بدأت في عام 1948.

•الدكتور تاديوس رايشتاين: كيميائي سويسري قام أيضًا بعزل مركبات كظرية. وُجد أن مادته Fa هي نفسها المركب E الذي عزله فريق مايو، مما أدى إلى بعض الارتباك الأولي بسبب اختلاف التسميات.

أول تطبيق سريري: في 21 سبتمبر 1948، تلقت السيدة ج.، مريضة تبلغ من العمر 29 عامًا تعاني من التهاب المفاصل الروماتويدي في مايو كلينك، أول حقنة من المركب E (الذي أعيد تسميته لاحقًا بالكورتيزون). أبلغت عن تحسن كبير في غضون أسبوع.



الخصائص الكيميائية والفسيلوجيه:


الكورتيزون هو هرمون ستيرويدي يتم تصنيعه من الكوليسترول داخل الطبقة الحزمية من قشرة الغدة الكظرية. يحفز الهرمون الموجه لقشرة الكظر (ACTH)، الذي تفرزه الغدة النخامية الأمامية، تخليق الكورتيزون عن طريق زيادة مستقبلات LDL وزيادة نشاط إنزيم كوليسترول ديسمولاز، وهي الخطوة المحددة لمعدل تحويل الكوليسترول إلى بريغنينولون. 


معظم الجلوكوكورتيكويدات المتداولة تكون غير نشطة، مرتبطة بالجلوبيولين الرابط للكورتيكوستيرويد (CBG) أو الألبومين. يقوم إنزيم 11-بيتا-هيدروكسي ستيرويد ديهيدروجيناز 1 (11-beta-HSD1) بتحويل الأشكال غير النشطة إلى كورتيزون نشط في معظم الأنسجة، بينما يقوم إنزيم 11-بيتا-هيدروكسي ستيرويد ديهيدروجيناز 2 (11-beta-HSD2) بإلغاء تنشيط الكورتيزون مرة أخرى إلى الكورتيزون في الكلى والبنكرياس.


وظائف الكورتيزون في الجسم:


توجد مستقبلات الجلوكوكورتيكويد في جميع أنسجة الجسم تقريبًا، مما يسمح للكورتيزون بالتأثير على كل جهاز عضوي تقريبًا، بما في ذلك:


•الجهاز العصبي

•الجهاز المناعي

•الجهاز القلبي الوعائي

•الجهاز التنفسي

•الجهاز التناسلي

•الجهاز العضلي الهيكلي

•الجهاز اللحافي


يقوم الكورتيزون بالعديد من الوظائف في جسم الإنسان، مثل التوسط في استجابة الإجهاد، وتنظيم عملية الأيض، والاستجابة الالتهابية، والوظيفة المناعية.

•استجابة الإجهاد: يساعد الكورتيزون الجسم على الاستجابة للإجهاد من خلال توفير الطاقة عبر آليات الهدم، مما يبقي الجسم في حالة تأهب قصوى أثناء التهديدات المتصورة.

•استتباب الجلوكوز والبروتين: يزيد الكورتيزون من توفر الجلوكوز في الدم للدماغ. يؤثر على الكبد (يزيد من استحداث الجلوكوز، ويقلل من تخليق الجليكوجين)، والعضلات (يقلل من امتصاص الجلوكوز، ويزيد من تحلل البروتين لاستحداث الجلوكوز)، والأنسجة الدهنية (يزيد من تحلل الدهون للحصول على الطاقة)، والبنكرياس (يقلل من الأنسولين، ويزيد من نشاط الجلوكاجون).


الآثار الجانبية للكورتيزون: من اضطرابات الجسم و هدم العضلات، وايضا السمنة


تُعد الكورتيكوستيرويدات (المعروفة باسم الكورتيزون) من الأدوية الفعالة والواسعة الاستخدام في علاج العديد من الحالات الطبية، بما في ذلك الأمراض الالتهابية والمناعية الذاتية والحساسية والسرطانات. ورغم فوائدها العلاجية الكبيرة، إلا أن استخدامها، خاصة على المدى الطويل وبجرعات عالية، يرتبط بمجموعة واسعة من الآثار الجانبية التي قد تؤثر بشكل كبير على جودة حياة المرضى. يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على أبرز هذه الآثار الجانبية، مع التركيز على اضطرابات الجسم العامة، هدم العضلات، والسمنة، بالإضافة إلى استعراض الآليات الكامنة وراءها وتقديم استراتيجيات للوقاية منها أو التخفيف من حدتها:


1. اضطرابات الجسم العامة والسمنة

تُعد زيادة الوزن والسمنة من الآثار الجانبية الشائعة والمزعجة لاستخدام الكورتيزون. تتجلى هذه الزيادة بشكل خاص في تراكم الدهون في مناطق معينة من الجسم مثل البطن، الوجه (مما يُعرف بـ "وجه القمر")، والرقبة، وهي حالة تُعرف بالسمنة المركزية .


. تعود هذه الظاهرة إلى عدة آليات معقدة:


يؤثر الكورتيزون على عملية التمثيل الغذائي للدهون، مما يعزز تخزينها في الأنسجة الدهنية. غالبًا ما يلاحظ المرضى زيادة في الشهية أثناء تناول الكورتيزون، مما يؤدي إلى زيادة استهلاك السعرات الحرارية. يمكن أن يقلل الكورتيزون من معدل الأيض الأساسي للجسم، مما يجعل حرق السعرات الحرارية أقل كفاءة. كما يساهم الكورتيزون في هدم العضلات، والعضلات هي نسيج نشط أيضيًا، مما يعني أن فقدانها يقلل من إجمالي حرق السعرات الحرارية في الجسم، ويزيد من نسبة الدهون إلى العضلات.


بالإضافة إلى السمنة، يسبب الكورتيزون احتباس السوائل في الجسم، مما يؤدي إلى تورم الأطراف، خاصة الساقين، وقد يساهم في ارتفاع ضغط الدم .

 كما يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في التمثيل الغذائي مثل مقاومة الأنسولين وارتفاع مستويات السكر في الدم (فرط سكر الدم)، وذلك عن طريق زيادة إنتاج الجلوكوز من تكسير الأحماض الأمينية ومعارضة عمل الأنسولين .

 على الصعيد النفسي والعصبي، قد يعاني المرضى من مشاكل في الذاكرة، الارتباك، الهذيان، الاكتئاب، الأرق، واضطرابات المزاج .


2. هدم العضلات (الاعتلال العضلي الناتج عن الستيرويدات):


يُعد هدم العضلات، أو الاعتلال العضلي الناتج عن الستيرويدات (Steroid-induced myopathy)، من الآثار الجانبية الخطيرة التي تؤثر على الجهاز العضلي الهيكلي. وهو اعتلال عضلي غير مؤلم وقابل للعكس، وينتج بشكل مباشر عن تكسير البروتينات العضلية .


 يحدث هذا التأثير عادة مع الاستخدام طويل الأمد لجرعات عالية من الجلوكوكورتيكويدات، ويؤدي إلى ضعف عضلي ملحوظ، خاصة في الأطراف العلوية والسفلية .


الآليات الكامنة وراء هدم العضلات:


تتضمن الآليات الجزيئية لهدم العضلات بفعل الكورتيزون ما يلي :


- تساهم الجلوكوكورتيكويدات في تنشيط عوامل النسخ من عائلة FOXO، وبالتحديد FOXO1 و FOXO3. هذه العوامل تزيد من تعبير إنزيمات اليوبيكويتين ليجيز (ubiquitin ligases) مثل MuRF-1 (muscle ring finger protein-1) و atrogin-1 (muscle atrophy F box). تستهدف إنزيمات اليوبيكويتين ليجيز البروتينات الساركوميرية،

 مثل سلسلة الميوسين الثقيلة (myosin heavy chain)، وتضع عليها علامات للتحلل، مما يؤدي إلى تكسيرها وفقدان كتلة العضلات .


 بالإضافة إلى ذلك، تساهم الجلوكوكورتيكويدات في زيادة الضغط التأكسدي في الأنسجة، بما في ذلك العضلات. يمكن أن يؤدي هذا الضغط التأكسدي إلى تلف الخلايا وتدهور وظائفها، مما يزيد من تفاقم هدم العضلات .


تظهر خزعة العضلات في حالات الاعتلال العضلي الناتج عن الستيرويدات ضمورًا في الألياف العضلية من النوع الثاني دون وجود التهاب .


 والخبر الجيد هو أن هذا الاعتلال العضلي عادة ما يزول مع سحب الكورتيزون وممارسة التمارين الرياضية .


3. استراتيجيات التجنب والوقاية:


للتخفيف من الآثار الجانبية للكورتيزون، يمكن اتباع عدة استراتيجيات، مع الأخذ في الاعتبار أن أي تغيير في خطة العلاج يجب أن يتم تحت إشراف طبيب متخصص:


يُعد تقليل الجرعة ومدة العلاج بالكورتيزون قدر الإمكان هو الإجراء الأكثر أهمية. تزداد احتمالية حدوث هدم العضلات وهشاشة العظام الناتجة عن الستيرويدات بشكل ملحوظ إذا تجاوزت مدة العلاج ثلاثة أشهر أو تضمنت ثلاث إلى أربع دورات علاجية .


 تشير الدراسات الحديثة، خاصة تلك التي أجريت على الفئران، إلى أن الجرعات الأسبوعية المتقطعة من البريدنيزون قد تُحدث نتائج مختلفة وإيجابية مقارنة بالجرعات اليومية. فقد أظهرت هذه الدراسات أن الجرعات المتقطعة تعزز امتصاص العناصر الغذائية في العضلات، وتحسن كتلة الجسم النحيلة، وتقلل من السمنة . 


هذا يفتح الباب أمام إمكانية تعديل أنظمة الجرعات لتقليل الآثار الجانبية، ولكن هذه الدراسات لا تزال في مراحلها الأولية وتحتاج إلى مزيد من البحث لتحديد فعاليتها وسلامتها في البشر بشكل كامل .


تلعب التمارين الرياضية المنتظمة دورًا حيويًا في الحفاظ على كتلة العضلات وقوتها، وبالتالي يمكن أن تساعد في تقليل هدم العضلات الناتج عن الكورتيزون .

 كما أن اتباع نظام غذائي صحي ومتوازن، غني بالبروتين لدعم بناء العضلات، وقليل السكريات والدهون لتقليل زيادة الوزن وتراكم الدهون ، يُعد أمرًا بالغ الأهمية. يجب على المرضى الذين يتناولون الكورتيزون الخضوع لمراقبة دورية لمستويات السكر في الدم، ضغط الدم، كثافة العظام، ووظائف العضلات.

 يساعد هذا في الكشف المبكر عن أي آثار جانبية واتخاذ الإجراءات العلاجية المناسبة .


 أخيرًا، قد يكون لتوقيت الجرعة أهمية، حيث تشير بعض الأبحاث إلى أن الجرعات المتقطعة التي تتزامن مع الإيقاعات اليومية (circadian rhythms) قد تكون أكثر فعالية وأقل ضررًا 


الاستخدامات الطبية للكورتيزون:


يستخدم الكورتيزون ومشتقاته الاصطناعية (الكورتيكوستيرويدات) على نطاق واسع في الطب بسبب خصائصها القوية المضادة للالتهابات والمثبطة للمناعة. تشمل الاستخدامات الطبية الرئيسية ما يلي:


•الأمراض الالتهابية: مثل الربو، التهاب المفاصل الروماتويدي، التهاب الأمعاء، الذئبة الحمامية الجهازية، التهاب الجلد التأتبي، والتهاب الأنف التحسسي.


•أمراض المناعة الذاتية: حيث يثبط الاستجابة المناعية المفرطة التي تهاجم أنسجة الجسم.

•الحالات التحسسية الشديدة: مثل الحساسية المفرطة والشرى والوذمة الوعائية.


•أمراض الجهاز التنفسي: مثل الانسداد الرئوي المزمن (COPD) والالتهاب الرئوي.


•أمراض الجلد: مثل الأكزيما والصدفية.


•علاج بعض أنواع السرطان: كجزء من العلاج الكيميائي لتقليل الالتهاب والآثار الجانبية الأخرى.


•العلاج التعويضي: في حالات قصور الغدة الكظرية (مثل مرض أديسون) لتعويض نقص الكورتيزون الطبيعي.


•الحد من الالتهاب بعد الجراحة أو الإصابة.


•حقن المفاصل: لتقليل الألم والالتهاب في حالات مثل التهاب الأوتار والتهاب الجراب ومرفق التنس.


الخلاصة:


الكورتيزون دواء فعال ومنقذ للحياة في كثير من الأحيان، ولكن آثاره الجانبية، خاصة تلك المتعلقة باضطرابات الجسم، هدم العضلات، والسمنة، تتطلب فهمًا عميقًا وإدارة حكيمة. من خلال فهم الآليات الكامنة وراء هذه الآثار واتباع استراتيجيات وقائية وعلاجية مناسبة، يمكن للمرضى والأطباء العمل معًا لتقليل المخاطر وتحسين النتائج الصحية. من الضروري دائمًا استشارة الطبيب قبل إجراء أي تغييرات في العلاج.


إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم